صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
119
شرح أصول الكافي
القدسية على إنشاء الأصوات والاشكال على موازنة المعاني والأحوال . وامّا الآية الثانية ففي الإشارة إلى عموم قدرة اللّه وشمول ملكه وتوحيده في الايجاد والتأثير والخلق والتدبير ، والإشارة إلى ما هو مكشوف عند أهل الكشف والبصيرة ان وجود المجعولات بأسرها في أنفسها ليس الّا وجودها لجاعلها وفاطرها ، لان جميعها فعل الحق والفعل من حيث هو فعل متقوّم لا قوام له في نفسه إلّا بالفاعل ، وما وجد من الآثار مستقلة دون ما تصدر عنها ، فهي بالحقيقة ليست آثارا لها بل لها نوع آخر من التعلق ، وتحقيق هذا التوحيد في الخلق والايجاد امر غامض دقيق وسر غائر عميق . وامّا الآية الثالثة ففيها إشارة إلى توحيد اخر أعلى واشرف واغمض وأدق وأليق بالتحقيق والعرفان وهو : كونه تعالى جامعا بوحدانيته وفردانيته بين فاعلية الموجودات كلّها وغائيتها ، حتى يكون ان أوّل الأوائل كلها وآخر الأواخر كلها ، كما مرّت الإشارة إليه في بعض ما سبق من الأحاديث ، فهو تعالى أوّل كل شيء ، بمعنى ان وجوده حصل منه ، وبمعنى ان الغرض في حصول ذلك الشيء منه علمه تعالى بالمصلحة الذي عين ذاته ، ولكونه تماما في الوجود والإفاضة بلا عوض أو غرض زائد ، وهو أيضا اخر كل شيء ، بمعنى إنّه الغاية القصوى التي يطلبها الأشياء ، والخير الأعظم الذي يتشوقه الكل ويقصده طبعا وإرادة . والعرفاء المتألهون حكموا بسريان نور المحبة له والشوق إليه سبحانه في جميع المخلوقات على تفاوت طبقاتهم ، وان الكائنات السّفلية كالمبدعات العلوية ، على اغتراف شوق من هذا البحر العظيم واعتراف شاهد مقرّ بوحدانية الحق القديم ، فهو الاوّل الذي منه ابتدأ امر العالم حتى انتهى إلى ارض الأجسام والأشباح ، وهو الاخر الذي إليه ينساق وجود الأشياء حتى ارتقى إلى سماء العقول والأرواح ، وهو اخر أيضا بالإضافة إلى سير المسافرين ، فإنهم لا يزالون مترقون من رتبة حتى يقع الرجوع إلى تلك الحضرة بفنائهم واندكاك جبال هوياتهم ، فهو اوّل من حيث الوجود واخر من حيث الوصول والشهود . واللّه عز اسمه حيث أنبأنا عن غاية وجود العالم قال : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 1 » ، اي ليعرفون ، وقوله في الحديث القدسي : كنت كنزا مخفيا فأحببت ان اعرف فخلقت الخلق لأعرف ، فدلنا على أنه الغاية القصوى لوجود العالم معروفا ، كما أنه الفاعل
--> ( 1 ) - الذاريات 56 .